محمود ماضي
32
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
الاكتشافات الحديثة بدأ كثير من الأوربيين يظنون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الإيمان باللّه . وهكذا أصبح « الإله » في نظرهم فكرة غير ضرورية ، وكل فكرة غير ضرورية لا تقوم على أساس ! . ولعله لا يغيب عنا مقالة نيتشه : لقد مات الإله الآن ! ! . تأثر المستشرقون أو معظمهم بهذه الموجة المادية الإلحادية التي سادت أوروبا ، فطبقوا المنهجية الوضعية على العلوم الإنسانية ، ومنها العلوم الإسلامية التي يلعب الوحي الدور الرئيسي فيها ، ومن ثم جاءت نتائج أبحاثهم في الأعم خاطئة ، لعدم الدقة في اختيار المنهج وكيفية تطبيقه فضلا عن البون الشاسع بين بيئة المنهج المطبق وبيئة موضوع الدراسة بين بيئة المستشرق وبين بيئة الشرق الإسلامي . وبذلك فقد المستشرق الشعور بالتعاطف مع موضوعه الذي يدرسه ، أو على الأقل نقول : فقد الحياد في التعامل معه ، لأن الصلة العقلية والعاطفية بين الباحث وموضوعه تماثل في الأقل تلك الصلة التي توجد بين القاضي العادل وبين الخصوم « 1 » . وترتيبا على هذا يقول الدكتور حسن حنفي « الاستشراق ليس جزءا من الحضارة الإسلامية ولا يرتبط بها ولا يفيد شيئا ، بل هو جزء من الحضارة الغربية يكشف عن تكوين الباحث الأوربى ومزاجه ، ويكشف عن حقيقة ما يسمى بالموضوعية أو العلمية ، كما يبين عمل شعور الباحث الأوربى في دراساته لحضارات أخرى غير حضارته ويعرض تحيزاته » « 2 » . وإزاء هذه الالتواءات ، والانثناءات ، في نشأة المنهج وتطبيقاته ، نتساءل : ما هذه المناهج التي يزعم المستشرقون التعويل عليها في كتاباتهم ؟ وهل كلها صالحة لكل الموضوعات البحثية ؟ بمعنى : هل مناهج العلوم الطبيعية صالحة للتطبيق على العلوم الإنسانية ؟ وهل ما يصلح للعلوم الإنسانية يمكن إخضاع العلوم والمعارف الغيبية لها ؟ بمعنى آخر : هل المنهج المتّبع يتطابق مع موضوع الدراسة ؟ وإذا لم يكن فما مدى التزام المستشرق حين التطبيق ؟ استخدم المستشرقون عدة مناهج في دراساتهم للإسلام : عقيدة وشريعة ، وفكرا وتاريخا . . منها : المنهج التاريخي ، والمنهج الإسقاطى ، ومنهج الأثر والتأثر . 1 - المنهج التاريخي : هو عبارة عن وصف وتسجيل ما مضى من وقائع تاريخية أو اجتماعية ووضعها بجوار بعضها البعض وترتيبها ثم الإخبار عنها والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكرية
--> ( 1 ) - د . طيباوى : السابق ص 61 . ( 2 ) - د . حسن حنفي : السابق ص 83 .